سعيد خلاف.. منعطفات في الطريق الى حلم خلف الكاميرا

( بقلم نزار الفراوي)
يضع اللمسات الأخيرة على توضيب عمله الدرامي الجديد، لكن رأس المبدع لا تخمل. بين رشفة قهوة وأخرى، تتزاحم الأفكار الهاربة، ومن باحة المقهى المفتوحة على حركة الناس، يصطاد في الوجوه قسمات شخوصه الوليدة.

“صورتك بين عينيا” ثاني مسلسل للمخرج سعيد خلاف رفقة المنتج عبد الكريم الدرقاوي بعد “عيون غائمة”. ليس تردد العين في عملين متتاليين إلا كشفا لعلاقة الفنان بهذه الحاسة اللاقطة التي تتوطن فيها المشاعر الإنسانية، منزل الألم والانكسار، موئل البهجة، بؤرة اشتعال الحب والشوق والشر أيضا.

بطاقم تمثيلي تلمع فيه أسماء من قبيل ماجدولين الإدريسي، وفهد بنشمسي، ونعيمة إلياس، وفؤاد سعد الله، وعبد الحق بلمجاهد، ومنصور بدري، وهاجر بوزاويت، وهاجر مصدوقي، وفريدة بوعزاوي وهند بنجبارة وهند بالعلا، وبثينة اليعقوبي، يبدو سعيد مرتاحا للمنتوج الناجز، الذي ترعرع في شروط انتاجية مرضية، لكن قناعة المبدع لا تبدد توتر انتظار الحكم البات لجمهور يستقبل المنجز الفني في بيته وأمامه خيارات لا نهائية للمقارنة والترجيح.

ينوه بالإطار الانتاجي الراهن الذي يراه محفزا على الجودة من خلال آليات تتبع عن كثب لمختلف مراحل الانجاز من كتابة وكاستينغ ومراحل تصوير، بنوع من الصرامة الإيجابية. كما أن ظهور جيل جديد من كتاب السيناريو يسند هذه الطفرة الدرامية في التلفزيون المغربي ويحملها الى آفاق أفضل.

الحساسية الاجتماعية النفسية حاضرة بقوة في أعمال سعيد، وفي انشغالاته الشخصية، وقراءاته. عينه مشدودة الى شخصيات في حالة عجز وحصار، تتحرك مصائرها على جرف مهدد بالانهيار، ما لم تقاوم. كان ذلك وجه “حنان” في الفيلم التلفزيوني “لا وردة لحنان”، و “سعيد” في فيلمه السينمائي “مسافة ميل بحذائي”. تترافق مأساوية الواقع عنده غالبا مع مقاومة الكائن من أجل الحياة بكرامة.

يتابع جديد المقاربات في علم النفس، خصوصا في الفضاء الانغلوسكسوني، ولا يتردد في استلهام مكتسباتها في حفر الأعماق النفسية للشخصيات، وكذلك في تحضير الممثل واستنفار أدواته، وإدارته.. ليس فقط لحظة الوقوف أمام الكاميرا.

يحتل “مسافة ميل بحذائي” مكانة خاصة في قلبه، ليس فقط لأنه كان مفاجأة المشهد السينمائي الوطني بحصده للجائزة الكبرى وجوائز أخرى في المهرجان الوطني للفيلم بطنجة 2016، ومنها جائزتا أحسن ممثل لأمين الناجي وأحسن ممثلة ثانوية لراوية، بل لأنه طفل تعهده حلما وتنفيذا لسنوات طويلة. ثم إنه الفيلم الذي أعاده للمغرب قلبا ومكانا، منذ ذلك الحدث الذي أدمى الدار البيضاء في هجمات 2003، فتحولت عطلة المهاجر الى لحظة انجراف وتأمل في هوية هذا الهامش الحضري الذي ينتج أطفالا وفتية مرشحين لركوب سفن مجنونة ومدمرة للذات والمجتمع، ولحظة تصميم على العودة الى البلاد لتقاسم حكايات من جوف فرحها ووجعها.

شخصية “سعيد” (أمين الناجي) نمت نطفة منذئذ حتى استوت ذلك الوحش الجريح الذي اقتفى طريق الانتقام من مجتمع لم يكن رحيما به في شوارع باردة وعنيفة. الفنان لا يبرر لكنه يحاول أن يفهم ليدق جرس الانذار.

كان الفيلم تتويج متوالية من الأحلام بين الوطن والمهجر، قادت موظفا بنكيا شابا من خريجي العلوم الرياضية الى المهجر الكندي لدراسة الاعلاميات. في مسقط رأسه، ظل شغف سعيد خلاف مقتصرا على المشاهدة المسرحية والسينمائية متنقلا بين قاعات العروض في البيضاء وأحيانا في الرباط، تعقبا لجديد الانتاج الوطني والدولي، دون أن يخوض تجربة الممارسة أو التكوين.

يتأجل الحلم الفني وتحشره يوميات الكد في الهامش، لكن الشحنة التي تغلي في الأعماق تتحين الفرص. من التخصص التقني في عوالم الحاسوب والبرمجيات، سينعطف سعيد خلاف بمساره إلى مدرسة السينما في فانكوفر. يختار تخصص إدارة التصوير لكن الأعمال التطبيقية في المعهد تثير انتباه أستاذه الذي يشد على يده مخاطبا: “لك رؤية مخرج…” فيتحقق انعطاف آخر نحو الموقع الذي يشغله اليوم، خلف الكاميرا، مؤتمنا على الرؤية العامة للعمل الفني.

حينما عانقه الأستاذ، مايك بيترس، بعد سنوات إثر مشاهدته النسخة الأولى من فيلمه الطويل “مسافة ميل بحذائي” عرف سعيد أنه قام بخطوه الأول، أما الوصول فبعيد، بل مستحيل، لأن الفن سفر دائم.

أجواء الجائحة شوشت على ترويج فيلمه السينمائي الثاني “التائهون” الذي لا يخرج هو الآخر عن تسليط الضوء على أبطال الهامش. واليوم، يبدي سعيد خلاف حماسا أقل لخوض مشروع سينمائي جديد. مسار صناعة الفيلم مرهق وتوفير ضمانات النجاح معضلة، خصوصا من الناحية الانتاجية، ناهيك عن استمرار محظورات مجتمعية تضغط على مجال التخييل، لكن السينما تسكن أحلامه…حتى إشعار آخر.

يتحدث بإعجاب عن ممثلين مغاربة من عيار أمين الناجي وفاطمة الزهراء بناصر. يثني على جيل جديد من الخريجين الذين يرفعون مستوى فن الأداء في الساحة الراهنة، لكنه يكن تقديرا خاصا لطينة الممثل الملتزم الذي يقاسم المخرج هاجس الولادة. يطيب له أن يستحضر محمد حميمصة، وقد كان ذلك الشاب المغمور الذي صادف فيه ملمح لشخصية يبحث عنها، “مصطفى”، صديق “سعيد” فتى الشارع الجانح في “مسافة ميل بحذائي”. كانت اللكنة الوجدية تشوش على صدقية فتى ابن حي شعبي بالدار البيضاء. أقدم الممثل الموهوب و “الخجول” على تجشم الاقامة في البيضاء شهرا قبل التصوير، دون علم المخرج، دون مورد مالي، بل دون مأوى قار، اجتهادا شخصيا ليكون جاهزا يوم دخول البلاتو.

سعيد خلاف مسرور بالانتماء الى حيوية الربيع الدرامي الذي أثمر خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الأعمال الناجحة التي نافست الانتاجات الأجنبية على قلب المشاهد المغربي. يرى تطورا ملحوظا في الكتابة، فيستحضر وصية أستاذه: التكنلوجيا لن تحل مشكلتكم الأساسية: السيناريو. لكنه يظل متحفظا تجاه صرامة الجدولة الزمنية للانجاز والتسليم. حين يصبح الفنان في مواجهة الزمن تتولد ضغوط قد تؤثر على جودة العمل الفني التي تستدعي غربلة وتمحيصا وتجويدا متكررا.

يحدث أن يقع الكازاوي الصميم في حب مدينة فاس، التي هام في أماكنها العتيقة فيقر عزمه على تصوير عمل يستلهم جماليات التاريخ التي تسكن القرويين ودار الدبغ والمشهد الفخم من مرتفع البرج الشمالي وأفنية الرياضات الأندلسية. الحكاية في أحضان الذاكرة لها نكهة خاصة.