منتدى تحالف الحضارات.. أربعة أسئلة للأكاديمي عبد الكريم القلالي، الفائز بجائزة دولة قطر العالمية لحوار الحضارات

(أجرى الحوار.. يونس أقجوج)
في إطار استضافة المغرب للمنتدى العالمي التاسع لتحالف الأمم المتحدة للحضارات، يومي 22 و23 نونبر الجاري بمدينة فاس، أجرت وكالة المغرب العربي للأنباء حديثا مع الأكاديمي عبد الكريم القلالي، الأستاذ بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، والفائز بجائزة دولة قطر العالمية لحوار الحضارات في نسختها الثالثة (2022)، سلط فيه الضوء على أهمية التواصل والتعارف الحضاري ورمزية استضافة المملكة لهذا الحدث ذي البعد العالمي.

1-ما مدى أهمية الدور الذي اضطلعت به المملكة المغربية عبر التاريخ في تعزيز حوار الحضارات ؟

للمملكة المغربية إرث تاريخي عريق في التعاون والتعايش والحوار، انطلاقا من مرجعيتها وهويتها الإسلامية التي تقر هذا المبدأ وترغب فيه، وما يزال ذلك في تطور مستمر من خلال التشجيع على الحوار الحضاري واستضافة مختلف الفعاليات العالمية التي تعنى بتشجيع الحوار والتنظير له.

ويلاحظ انخراط مختلف المؤسسات العلمية والمجتمعية في مبادرات الحوار والتعريف بأهمية التواصل الحضاري، منها ما هو معتمد على الصعيد الدولي كما هو الأمر على سبيل المثال بالنسبة “لخطة عمل الرباط بشأن حظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية” التي ضمت حوالى 54 خبيرا لهم انتماءات وخلفيات متنوعة، وهي من أهم الاستراتيجيات المعتمدة دوليا كمرجعية في التصدي لخطاب الكراهية، كما أنها ثمرة تقييم شامل ونقاش موسع لتطبيق التشريعات والسوابق القضائية والسياسات العامة في ما يتعلق بمناهضة الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي.

وكثيرة هي الملتقيات التي تعقد لتعزيز مبادرات الحوار، ونظرا لما يتمتع به المغرب من مكانة روحية ودينية خصوصا بين الدول الإفريقية، فإن له جهودا رائدة في تسوية الخلافات وتعزيز السلم وتقريب وجهات النظر في مختلف النزاعات، ويؤكد ذلك انخراطه في مختلف المبادرات الأممية ذات البعد الحضاري.

2- ما دلالة تنظيم هذا المنتدى العالمي على أرض المملكة في ظل الظروف والصراعات التي يشهدها العالم ؟

يعتبر تنظيم المنتدى العالمي التاسع لتحالف الأمم المتحدة للحضارات من مظاهر رعاية المغرب وعنايته بالتحالف الحضاري الذي أفضل التعبير عنه بـ “التعارف الحضاري” لما يحمله المصطلح من دلالة عميقة مستوعبة للتعايش والتسامح والحوار وكل أنماط التواصل الحضاري. وتنظيم هذا المنتدى يحمل دلالات متعددة :

الدلالة الزمانية، وتتجلى في الظروف الراهنة والأجواء المتوترة التي يعيش فيها العالم على وقع نزاع مستعر بين روسيا وأوكرانيا ألقت بظلالها على مختلف مناحي الحياة، ويحتاج العالم إلى حكماء ينزعون نحو السلم ويوجهون خطابا رشيدا لإعمال المنطق والحكمة.

الدلالة المكانية، خصوصا وأنه هذه هي المرة الأولى التي تستضيف فيها دولة إفريقية اجتماع المنتدى العالمي لتحالف الحضارات. واختيار المغرب يرتكز على جملة من الأسس أهمها دوره في مجال التواصل الحضاري وما استطاع أن يحققه من استقرار مجتمعي وما ينعم به من أمن وسلام وتسامح، ويضاف إلى ذلك اختيار مدينة فاس تحديدا؛ لما لها ما تاريخ علمي حضاري عريق بلغ الآفاق، وهي محضن جامعة القرويين ذات الإشعاع العلمي والتواصلي الغني عن التعريف، والتي استطاعت أن تمد المغرب والعالم بفكر وسطي معتدل ومستنير يدعو إلى التعاون والتواصل وينبذ الإقصاء ودعوات العنف والبغضاء.

3-ما أهمية العلاقات السلمية والحوار في تحقيق التواصل الحضاري بين الأمم والشعوب وتعزيز التنمية المشتركة؟

التعايش ضرورة من ضرورات الحياة والاستقرار المجتمعي والأممي، ولم يعد اليوم ترفا ولا نافلة من القول، بل يجب أن يكون عقيدة لدى مختلف الشعوب، بحيث يعتبر أولوية في مختلف المناهج والبرامج.

وإذا كان المستثمرون يعتبرون الاستقرار والسلم في أي بلد أولى الأولويات في التخطيط، فإني أرى أن علاقات السلم في المجتمع هي الدعامة الأولى لتحقيق التنمية المستدامة، وطبيعي أن تكون هناك اختلافات في الرؤى وفي مختلف القضايا ليس بين الأمم والشعوب فحسب، بل بين أبناء الشعب الواحد أيضا، غير أنه خلاف لابد من تدبيره بالحوار الوطني الذي يجب أن يكون مؤسسا لحوار إقليمي ومن ثم حوار عالمي تسود فيه لغة السلم والسلام وتخبو فيه لغة التهديد والوعيد، التي تمس بحق الإنسان وكرامته وحرياته.

لا مجال اليوم للاستبعاد أو الاستعباد والإقصاء، بل لا مناص من الحوار والسلم المؤسس للتواصل البناء الذي يعمر فيه العالم بما فيه الصلاح ويتصدى لدعوات الهدم والتخريب التي تتصاعد لغتها اليوم في ما هو قائم من الحروب.

وأعتقد أن التجربة المغربية يمكن أن تكون ملهمة ومثالا في مجال الحوار لما لهذا البلد الأمين من خصوصيات وثقل روحي وثقافي عميق في التاريخ.

4 / كيف أصل الإسلام للحوار وتحقيق التواصل الحضاري بين الأمم والشعوب المختلفة ؟

المنظور الإسلامي إلى التواصل أو التعارف الحضاري منظور قائم على الرؤية العامة لوظيفة الإنسان في هذا الكون التي هي عمارة الأرض وإصلاحها، والتعاون بين الإنسانية في ما فيه الخير في معاشها ومعادها، وفي القرآن الكريم نصوص كثيرة تدعو إلى الحوار وإلى التعاون بل وإلى التعارف الذي يعتبر مرتبة متقدمة في سياق التواصل الحضاري. وقد اعتبر القرآن الكريم التعددية في الخلق واختلاف الشعوب والأمم باعثا لتحقيق التعارف الذي من مكوناته التعايش والتسامح والتواصل والتعاون، وبالنظر في السيرة النبوية نلاحظ أمثلة كثيرة تجسد فيها الأمر عمليا.

ومنطلق رؤية الحضارة الإسلامية للتعاون مع مختلف الحضارات أنه متى ألفينا لدى أي حضارة معنى من المعاني الجميلة وقيمة من قيم الخير فإنها تكون سندا للتعاون والإشادة، بل وسببا للمبادرة إلى إحياء التعارف بالمعروف، وحتى لو وجدت بعض الخلافات فإنه لا ينبغي أن تكون مانعا من التواصل أو الإنصاف، ومن التعاون على المعاني الإنسانية النبيلة . فالتعاون على معاني الخير منطلق أصيل في الحضارة الإسلامية الساعية إلى التواصل والتعاون وتحقيق المنافع ودرء المضار.