مكناس تحتفي بالتجربة الشعرية لمحمد بلمو من خلال “طعنات في ظهر الهواء”

مكناس -احتفت جمعية رحاب الإسماعيلية للملحون والموسيقى التراثية، أول أمس السبت بمكناس، بتحولات التجربة الشعرية لمحمد بلمو كما جسدها ديوانه “طعنات في ظهر الهواء “.

 

 

وشارك في اللقاء الذي أداره نور الدين شماس الباحثون عبد الله الطني، مصطفى الشاوي، وعمرو الكناوي بقراءات أضاءت أبعاد مختلفة من الإبداع الشعري الذي كرسه الديوان، لغة ورؤية وشكلا.

وتخلل الحفل إنشاد قصائد من طرب الملحون لكل من المنشد السعيد بن بلة، والمنشدة حكيمة طارق، بعزف جوق رحاب الإسماعيلية للملحون والموسيقى التراثية

كما قدم الشاعر المحتفى به مجموعة من القصائد من اصداره.

وقارب عمرو الكناوي الديوان من زاوية “جدلية الموت والحياة” ملاحظا أن رائحة الموت تبدأ في الانتشار منذ عتبة العنوان، توازيها رغبة ملحة في الإقبال على الحياة بإشراقاتها ولذاذاتها. موت يحضر بقوة في العالم الشخصي للشاعر، كما في الكوكب الذي تتهدده مخاطر الفناء المادية والرمزية.

لكن الشاعر، يقول المتدخل، يستعين بالكتابة لصنع احتمالات أرحب للحياة “ليحقق الغلبة من جهة أخرى، في مواجهة الموت بطرق جمالية ماتعة”.

ومن جهته، يرى عبد الله الطني في ورقة تحت عنوان “طعنات في ظهر الهواء.. أو عندما يزهر جرح الكينونة شعرا ” أن الاحتفاء بالديوان احتفاء بمحطة لها خصوصيتها في مسيرته الشعرية، وبصوت من الأصوات الشعرية المغربية التي شقت كينونتها في الطريق الوعر.

يتساءل الطني “هل الأمر يتعلق بصرخة إيكولوجية، حيث يكون الطاعن في الظهر هو الإنسان الأناني المتهور والمريب فوق سطح هذا الكوكب، والمطعون في الظهر هو الهواء مصدر حياته، وشرط استمرار كينونته ؟ أم أن المطعون ، هاهنا ، هو صوت الشاعر الشفوف نفسه، والطاعن هو القبح والقيم الاستهلاكية البرغماتية الرخيصة، والتي تطعن من الخلف ، قيم الثقافة التنويرية، وسائر التعابير الجمالية الراقية”… أم أن الأمر أكثر من هذا وذاك ، ويحيل في العمق إلى جدل الخير والشر، الجمال والقبح ، الحق والباطل.

وأبرز أن التجربة الشعرية للشاعر محمد بلمو تمتح من المشترك الإنساني ولكن من خلال جوهر تجربته الوجودية الخاصة التي شكل الرحيل المفجع لحفيدته جرحا حفر فيها عميقا.

وفي مداخلة حول “التنافر الدلالي” في ديوان “طعنات في ظهر الهواء”، يلاحظ مصطفى الشاوي أن الألم عند الشاعر محمد بلمو تيمة مركزية لا يستمدها من مرجعيات قبلية خارجة عن النص الشعري، ولا هي غريبة عن تجربته الخاصة، وإنما هي تابعة من المعاناة الذاتية، ولها عدة تجليات متنافرة، يلغي بعضها الآخر ويؤكده.

وعلى الرغم من أن الحزن يخيم على جل نصوص الديوان بحيث يشكل تيمة محورية، لا يحضر نقيضها إلا من أجل البرهنة على الغياب، فإن هذا لا ينفي، حسب الشاوي، تأكيد الشاعر على المعاني الإيجابية منها الحلم والصبر واليقين، كما هول الحال في نص (الأمل.. لا يموت).

وأبرز الشاوي أن القصيدة المعاصرة تحمل طابع المأساة ومع الشاعر محمد بلمو يأخذ الحزن ميسما خاصا، “إذ لا يجد الشاعر من مفر من الكمد إلا إليه، خاصة عندما ينسج عنكبوته، عبر خيوط متشابكة ومعقدة تجعل الخلاص منه أمرا صعبا، بحيث يصبح الوجود عدما، ويظل كل ما كان يتمناه الشاعر ويأمل تحققه في طي الغياب”.

يذكر أن “طعنات في ظهر الهواء” الذي صدر ضمن منشورات جمعية الفكر التشكيلي (2019) يضم 15 قصيدة وهو الديوان الرابع لبلمو بعد “صوت التراب” (2001)، “حماقات السلمون” (2007) باشتراك مع عبد العاطي جميل، و”رماد اليقين” (2013).

وكان الناقد الجمالي محمد الشيكر قد اعتبر في تقديمه للديوان أن بلمو “أسبغ على شعريته التراجيدية ميسما بطوليا، جعله يضحك في وجه الحزن المر، من غير أن يتحلل من إثيقا مواجهة ضوضاء الوقت، وممانعة زيف العالم، والتصدي لسلطه الغاشمة”. وأبعد من مأساة شخصية، يرى الشيكر أن بلمو صاحب “شعرية تعانق جرح الإنسانية جمعاء، وتتواشج مع مآسي الناس كافة، لتنتفض في وجه الشر حيثما كان” دون أن تفارقه يوتوبيا الأمل