كورال أندلسي مخضرم يحفظ استمرارية ملحمة كونية بفاس

( بقلم نزار الفراوي)
 داخل حجرة صغيرة في معهد “الجامعي” للموسيقى بفاس، سر مصغر يفسر ملحمة القرون العشرة من عمر فن عابر للأزمنة. يتجاور شيخ في الخامسة والسبعين مع فتاة دون العشرين. جيلان متباعدان يتمايلان إنشادا وانتشاء في رحاب الطقس الأندلسي.

لم يتبدد الماضي، لحسن الحظ، وقد حفظته الشفاهة وسنة التواتر، حتى ولج عصر التدوين والتقعيد، ولن يضيع المستقبل لأن الشغف عدوى نشطة تحصد ما طاب لها من فتية وشباب يقبلون عليها بقلب سليم دون أن يعوا أنهم ضمانة خلود هذا السجل الإبداعي الكوني.

يأخذ الأستاذ مكانه أمام البيانو، يصطف على يساره بضعة عازفين، يحل السكون. ينعكس النص بكلماته وتقطيعه الصوتي، ضوئيا على الجدار بمقاطع متحركة، تشرئب إليها أعين أفراد الكورال الأندلسي. يغردون سربا واحدا. يرفع يده فيبدأ الإنشاد، بوجوه مشدودة، وأرواح مجنحة. يحدث أن يتوقف التمرين بخطأ شارد، فيتدخل المايسترو شارحا مصوبا هفوة في النطق أو زلة في التشكيل الصوتي. للصمت حق الوجود مثل الصوت، بميزان الذهب. يتجدد التمرين الجماعي بهمة أشعلها ترقب المشاركة في مهرجان فاس للموسيقى الأندلسية، الذي يعيد إلى الحاضرة الروحية ذاكرتها وعبقها بعد ركود وبائي طويل.

يدير عبد المالك العثماني مجموعة صوتية بمزيج من شباب وكهول وشيوخ، رجال ونساء، من فئات متنوعة مهنيا. مهندسون، أطباء، موظفون.. جلهم ممن أقبل على المعهد طمعا في تدارك زمن التعلم الذي فاته في الصغر. معهد “الجامعي” أتاح لهم فرصة عمر وحلم بإسقاط شرط السن. لذلك، يعيشون لحظة التعلم والتكوين والتدريب بنكهة سفر استرجاعي في الزمن الشخصي. طفولة متجددة على إيقاع الصنائع الأندلسية البديعة.

مايسترو التجربة دون الأربعين. تنفس العثماني الحرفة والشغف بالوراثة. أبوه عازف العود في جوق الراحل عبد الكريم الرايس. شقيقه يرأس جوقا للآلة في الدار البيضاء. تتلمذ في المعهد الموسيقي لفاس على يد الفنان محمد بريول، المعلم الذي حذق براعته باكرا، فقاده إلى تغيير الآلة من الكمان إلى التشيلو، التي أصبح مدرسا لها إلى جانب الصولفيج والموسيقى الأندلسية. اليوم، عبد المالك أستاذ، وبريول مدير يفرح بصنيع ما زرعه، وهو يرى الشاب فكرة مستوية، يقود باقتدار جوق الموسيقى الأندلسية بمعهد الجامعي والمجموعة الصوتية.

قبل خمس سنوات، أبحرت السفينة بفكرة طموحة. من المتعلمين الولوعين، تكون الكورال الذي يحمل هم الحفاظ على الموروث الثقافي الموسيقي الأندلسي. يصفهم العثماني اليوم بالمحترفين لأنهم يمارسون بمعرفة أكاديمية راسخة، وكلهم عازفون لآلات مختلفة. الموسيقى ليست مورد رزق، لكنهم محترفون بالأداء.

مع ذلك، التطلب لا يعني الإقصاء. “الكورال يعتمد الغناء الموحد، لا تعدد الأصوات، رغم أنه بالإمكان تطوير التجربة علميا في اتجاه مناهج أخرى. لذلك نفتح الباب أمام مولعين قد لا يتقنون تماما الأداء الصوتي. يتاح لهم باب الاحتكاك والتطور وصولا إلى المستوى المطلوب الذي يؤهلهم لمواجهة الجمهور”.

يعلق على المزيج الذي تتكون منه الفرقة قائلا: إنه “مشهد سلسلة متعاقبة الحلقات، تلخص فكرة ديمومة الفن الأندلسي عبر الأجيال”. محمد الجاي منصوري، مفتش ممتاز متقاعد، يتوسط الصف الأول للمرددين. ولج المعهد منذ افتتاحه. تنفرج قسماته وهو يشارك زملاءه الغناء بحماس طفل يردد أنشودته المفضلة.

“هذا الفضاء يلبي حاجتنا لتحقيق شغف قديم. لقد وجدت ضالتي هنا، أنا المولع بهذا الفن منذ زمن”. يرى الجاي أن التلاقح بين فئات مختلفة داخل الكورال آلية بيداغوجية لتعميق المعرفة بالموسيقى الأندلسية والزيادة من تقدير عظمتها. “نحن نعيش تجربة جماعية لتذوق وأداء فن يعد جزءا من هويتنا وكياننا”.

يذكر العثماني بأن الموسيقى الأندلسية في الأصل تعتمد الغناء الجماعي. أكثر من ذلك، فإن فتح المجال أمام فئات عمرية وثقافية واجتماعية متباينة عامل انتشار هذا الفن. لقد أصبح أعضاء الفرقة وسائط إشعاع لتشجيع أفراد آخرين في أوساطهم الاجتماعية على تذوق وتعلم الفن الأندلسي.

هناك جمهور واسع يطمح للجودة. ولا ينبغي الارتهان لحكم الاستسهال والشائع. الجمهور يكون في الموعد حين يقدم له الأجود. من هنا يستمد العثماني وغيره من رواد الأندلسي حماسة الاستمرار في طريق مزدحم بالتدفقات الثقافية الفنية الوافدة من مختلف أرجاء الكوكب، وخصوصا من استوديوهات الغرب وصيحاتها الالكترونية.

هل الموسيقى صعبة إلى هذا الحد؟ سؤال يتردد في دواخل عدد من الملتحقين بالمعهد، خصوصا في سن متأخر. نعم، التكوين الموسيقي ليس سهلا، يجيب العثماني. هو مجال علمي بامتياز، ولا مجال للاستسهال في الطريق إلى إرساء الاستمرارية والمصداقية في تكوين أجيال تنهض بمستقبل الموسيقى الأندلسية.

الموسيقى الأندلسية بحر واسع لكنه محدود في نفس الآن. على الفرقة أن تكون جاهزة لأداء كل الصنائع. في الحفلات، تتنوع الاختيارات لكنها غالبا ما تلتئم في خيط ناظم لبرمجة تجمع بين طبوع مختلفة، بعضها يشبع طموح ممارسي الصنعة أنفسهم ونخبة عشاقها العارفين بفرائدها، وبعضها يرضي تفاعل الجمهور الواسع مع بعض الانصرافات التي ألف سماعها والطرب بها في المناسبات الاجتماعية.

روح التفاؤل تطغى على العثماني وهو يعاين اليوم تعددا في المجموعات الصوتية. الموسيقى الأندلسية بخير، والتراث الذي اجتاز امتحان 10 قرون لن يستسلم لعوادي الزمن بسهولة. بعض الألوان الموسيقية اندثرت لأنها لم تحظ بجهود التقعيد العلمي والتوارث الجيلي.

من وحي تجربته وتنشئته، فإن الجدل بين التجديد والمحافظة لا محل له. منذ اسحاق وابراهيم الموصلي، وجد المحافظ والمجدد. غير أنه يود أن يشدد على أن الموسيقى الأندلسية مثل البيت العتيق، يمكن إصلاحه وترميمه لكن وفق معايير دقيقة تحفظ جمالية ونكهة الفضاء. هذا ليس فنا يمكن الاستهتار به. “لا يمكن استبدال أسوار فاس بجدران من الآجر. نحمل مسؤولية موسيقى كونية مخضرمة تحمل صدى عوالم وقوالب موسيقية شديدة التباين، يتردد فيها صدى الموسيقى الاسبانية والحجازية وإيقاعات تماثل قوالب الموسيقى الصينية والحسانية وغيرها..”.

المشهد ليس ورديا تماما. وضعية تعليم الموسيقى الأندلسية تعاني من غياب الاستمرارية والمراقبة والتحيين. المقررات لم تتغير منذ ثلاثين عاما وأكثر. ينبغي استيعاب التحولات وتحديث الوسائل البيداغوجية مع الانكباب على تكوين مستمر للأساتذة في المعاهد. رسالة ممارس..كي يظل نهر الموسيقى الأندلسية رقراقا.