سينما “بوجلود” بفاس.. ذاكرة المغرب (روبورتاج)

سينما “بوجلود” التي توجد بمدخل “الطالعة الصغيرة” وعلى بعد أمتار قليلة من ساحة أبي الجنود (ساحة باب بوجلود)، تأسست سنة 1927 كأول سينما ترى النور بمدينة فاس داخل أسوار المدينة القديمة، لتحمل ، بهذه الرمزية ، صفة “ذاكرة المغرب”.

وكما بنت فاطمة الفهرية أول جامعة في العالم، أقدمت امرأة على تشييد سينما “بوجلود” التي كانت تحمل في البداية اسم “بلياردو”. وسمح تأسيس هذا الفضاء لجمعية قدماء تلامذة ثانوية (مولاي إدريس) بتقديم مجموعة من الأنشطة والعروض الفنية داخلها.

وهذا الفضاء بصم على إبداع أول مؤلف مسرحي مغربي هو الراحل محمد قري، واستقبل في البدايات الأولى لتأسيسه فرقا مسرحية مصرية معروفة آنذاك وممثلين من قبيل فاطمة رشدي ويوسف وهبي وبديعة مصبني ونجيب الريحاني.

وسمح لسينما “بوجلود” المصممة على شكل مسرح، ببرمجة مجموعة من العروض الفنية من مسرح وموسيقى وأنشطة أخرى فضلا عن عروض للأفلام السينمائية، وقد اعتبرت كدار مسرح بالنظر للأسماء الفنية التي قدمت عروضها فيها.

وأجمعت شهادات مختلفة لقاطني أحياء مجاورة لسينما “بوجلود” على أهمية ورمزية هذا المكان الذي أصبح مهجورا، وعلى حضورها في ذاكرة الأجيال بعدما تألق فيها كبار الفنانين المغاربة والعرب.

ووفق هذه الشهادات، تجاوزت سينما “بوجلود” دورها التثقيفي والفرجوي نحو دور سياسي تمثل في تأسيس الحركة الوطنية التي كانت تقصدها من أجل الاجتماع والتنسيق للمطالبة بالاستقلال.

وشكلت هذه السينما في ستينيات القرن الماضي متنفسا للأسر بفاس التي كانت تقصدها للاستمتاع بالعروض المسرحية والسينمائية المقدمة، وهو ما اعتبره العديد من الباحثين والمؤرخين “تحولا نوعي في المجتمع الفاسي خاصة والمغربي عامة في الانفتاح على ثقافات أخرى وتطور المجتمع”.

طوابير وجموع غفيرة كانت تقف خارج قاعة سينما “بوجلود” في انتظار دورها لاقتناء تذكرة دخول لمشاهدة العروض المسرحية والسينمائية التي كانت تحتضنها وتقدمها هذه السينما لجمهور المدينة، حيث تتذكر بعض الشهادات الأخرى لرواد السينما إقبالا كبيرا على مشاهدة أعمال سينمائية مثل الفيلم المصري “أبي فوق الشجرة” والفيلم الهندي “دوستي” أي “الصداقة”، حيث أن المتفرجين كانوا يتفاعلون مع أحداث الفيلمين بالصراخ تارة والبكاء تارة أخرى.

وأكد رشيد الشيخ وهو مخرج سينمائي ومدير مهرجان سينما المدينة بفاس على أن هذا الفضاء شكل وحده حدثا بارزا في ذلك العهد يقصده الصغير قبل الكبير، وبالإضافة إلى كونه سينما كانت تلعب فيها مسرحيات، واعتبرت خشبتها أول خشبة بالمدينة استقطبت عروضا كبيرة من داخل وخارج المغرب.

وأضاف المخرج السينمائي أن مدينة فاس عرفت “أول عرض سينمائي عالمي للإخوان لوميير بالقصر الملكي في البدايات الأولى لاختراع السينما”، وهو ما جعل المدينة تشهد نهضة فنية في القاعات السينمائية التي أنشئت في البداية على يد معمرين فرنسيين، وكانت تنافس قاعة سينما “بوجلود” دور سينمائية أخرى أحدثت بعدها مثل سينما “الأندلس” وسينما “الملكي” المتواجدتين ب”باب فتوح” وسينما “الهلال” التي تتواجد في قلب المدينة القديمة وبالضبط ب”العشابين”.

وتابع أن مدينة فاس كانت تعد 13 قاعة سينمائية بقيت منها فقط قاعة وحيدة تشتغل بعد إعادة إصلاحها وإدخال تقنيات حديثة عليها، وأن هذه القاعات كان يعرض بها فيلمان أحدهما فرنسي والآخر مصري بالإضافة إلى عرض خاص لفيلم يسبق العرض الليلي، إلا أنه مع تطور السينما في العالم اختفى الفيلم الفرنسي من القاعات ليحل محله الفيلم الهندي، قبل وصول موجة السينما الأمريكية.

وأشار الشيخ إلى أن بعض القاعات السينمائية بفاس كان يسيطر عليها الفيلم الهندي بالدرجة الأولى، لدرجة أن حيا بكامله بجوار سينما “موريتانيا” التي توجد بحي بندباب كان يتحدث الهندية وتحفظ ساكنته الأغاني والحوارات الهندية عن ظهر قلب.

وبعد أن ذكر بمواصفات قاعة “أومبير” التي كانت بمثابة مسرح أوربي كبير وعدد مقاعدها يقارب 1300 مقعد، وقدمت فيها عروض مسرحية وحفلات فنية كبيرة، دعا رشيد الشيخ إلى إعادة الحياة وبعث الروح في القاعات السينمائية المغلقة، وإعادة ترميمها وتنشيطها لتصبح قاعات متعددة التخصصات تشمل السينما والمسرح والموسيقى.

وينتظر أن تعود سينما “بوجلود” إلى سابق عهدها من خلال برنامج شامل يستهدف الحفاظ على الذاكرة العمرانية والحضارية بمدينة فاس.