“المسرح.. ورشة مفتوحة” لبوسلهام الضعيف: قناعات نظرية تنضج في محك التجربة

(بقلم نزار الفراوي)
بعنوانه المقتضب ” المسرح.. ورشة مفتوحة”، يجسد كتاب المؤلف والمخرج المسرحي بوسلهام الضعيف مشروعا فنيا وفكريا يراهن على رؤية دينامية للعمل المسرحي تتغذى باستمرار وتزامن على حوار خلاق بين المرجعية النظرية والنبض الخاص للتجربة، وعلى إنصات مزمن لأصوات ذات تنشد الحرية، وانفتاح دائم على مختلف واجهات التعبير الأدبية والفنية.

أوراق مستقلة في سياقات كتابتها لكنها تتواشج على متن السؤال القلق حول المسرح وفيه. يفكر المؤلف في الصيغ التقنية للأداء، في علاقات المسرح بالواقع، وفي محاوراته مع باقي أشكال التعبير الفني والأدبي، برشاقة في اللغة، وحيوية في العرض وعمق لا يتمسح بالإحالة الأكاديمية إلا على وجه الضرورة الاستدلالية. ذلك أن المرجعية الأكاديمية للكاتب تتضافر بسلاسة وتواضع مع الرغبة الأصيلة في التواصل وروح تحليلية جذابة وفعالة في ذات الوقت.

لا نظريات ناجزة مسقطة، بل يظل المؤلف لصيقا حميما بالتجربة كمدخل لنقد المعرفة المتعلقة بالمسرح، شكلا وموضوعا.

الكتاب، الصادر ضمن منشورات مسرح الشامات في 136 صفحة، عن المسرح، وأبعد. فهو مشبع بالتأمل في مشاق الكتابة وأوجاعها بما هي نشدان لخلود رمزي بديلا عن فناء العالم، وتجاوزا لبؤسه. يستدعي الضعيف نصوص ماركيز ونيشته وحنا مينا، وتشيخوف، بقدر ما يحاور مسرحيا تراث بيتر بروك ووصايا ديدي بوزاس ومناهج غروطفسكي ورصيد مايرخولد.

حررت جل أوراق الكتاب على هامش فعاليات مسرحية، من عروض أخرجها المؤلف أو مهرجانات شارك فيها، أو لقاءات مع شخصيات أدبية ومسرحية، مغربية وعالمية، وبعضها تحمل توقيعا خاصا يحمل صدمة التزامن بين أعمال فنية وهموم واقع مجتمعي، يحمل على مساءلة الوظيفة التغييرية للفعل الفني بل وجدواه من الأساس.

ينطوي الكتاب على مزية الاشتباك العملي مع إكراهات ورهانات الممارسة المسرحية من موقع بوسلهام الضعيف كمخرج ومؤلف مسرحي. فيطالعنا بخلاصاته حول كيمياء المطبخ الداخلي للفعل المسرحي، من دور البروفة المسرحية وصيغها إلى مناهج إعداد الممثل وأسرار القراءة الجماعية للنص. لكنه يمضي أبعد إلى استغوار قوانين العملية الإبداعية وأبعادها الفلسفية وامتداداتها الاجتماعية والنفسية، منقبا في مساحات التلاقح والتنافر بين الكتابة المسرحية والكتابة الروائية، وعلاقة المسرح بالسياسة والمجتمع.

هوامش الكتاب تضيء تاريخا شخصيا مسرحيا للمؤلف. ذلك أنه تجميع لنصوص تؤرخ لمخاضات تفاعل المخرج مع المحطات الإبداعية التي أثمرت أهم مسرحياته: “العوادة” لفرقة مسرح الشامات التي أخرجها واقتبسها عن نص “ست شخصيات تبحث عن مؤلف” للايطالي لويجي بيراندللو، “حسن الوزان- ليون الافريقي” التي ألفها أنور المرتجي وقدمتها “الشامات” عام 2011، “الخادمات” (1998)، “الموسيقى”، المقتبسة عن رواية الياباني يوكيو ميشيما (2007).

تكشف هذه الشروط السياقية التي أطرت ميلاد هذه الأوراق إلى أي حد يعد الرصيد النظري المتأتي من الدراسة الأكاديمية وتمثل تراث الرواد، بناء مفتوحا يتغذى باستمرار على يوميات الممارسة ومفاجآتها وإكراهاتها وخصوصياتها. وهنا بالذات تتحقق شرعية العنوان- التعريف الذي يصنف المسرح “ورشة مفتوحة”.

من موقعه كمخرج، يبدو من المفهوم كيف يحتل الممثل دائرة ضوء في تأملات مسرحي ينشد كمال الأداء التعبيري، ليس حصرا للممثل كفرد، بل أيضا وأساسا كجزء من المجموعة. “ليس لكم الحق في أن تمرضوا”..يستدعي بوسلهام كلمات أستاذه التي انطوت ربما على المبالغة لكنها وجهت إشارة ذات مغزى. الجسد آلة الممثل ومطلوب منه فهمه والحفاظ على لياقته.

يتحدث عن صعوبة البروفة في المسرح، حتى أن الملسوعين بالمسرح فقط هم القادرون على التمتع بزمن التداريب، خلافا ربما لترف التلفزيون وشهرتها السريعة. أصعب ما في المسرح ليس ساعة العرض ولكن ساعات التدريب. يعدد ألذ أعداء الممثل: الاطمئنان، ذلك أن اللاطمأنينة جديرة بخلق المبدع، الإقامة في نمط معلب، النجاح والإقامة في حرير تصفيقات الآخرين….البروفة، في نظره، تزعزع هذه اليقينيات الخادعة.

يتطور النص في كنف الممثل في تفاعله مع المجموعة ومع عين المخرج. طوال مدة التداريب، سيتعايش الممثل مع النص (الكتاب- النسخة)، وسيتحمل هذا الأخير كل الحالات النفسية التي سيمر منها الممثل، لن تبقى نسخة النص كما كانت، ستتعرض للتلف، للطي، للتخطيط، للحذف، للترقيم، للتمزيق، للتلوين، للتصحيح…..

رؤية بوسلهام الضعيف لنص مسرحي متطور تفسر منهجه في القراءة الجماعية أثناء تحضير العرض. إنه يفضل قراءات بلا طاولة، قراءة عارية، تتيح للجسد أن يتخلص من عاداته اليومية الموروثة (سواء في الحياة أو في الفن). يبقى منتبها لأن يجعل الممثل لا يرتبط بكلام النص، وألا تكون لغة الشخصيات المدخل الوحيد لفهم الشخصية، يفضل أن تكون القراءات بعد تدريبات جسدية لها علاقة مع النص وأجوائه وشخصياته، وأن يعطي الممثلين نصوصه المخطوطة لأن النص المكتوب بالحبر جزء من التركيب، وإن كان مقروءا بصعوبة.

قلق الكتابة يستبد بالمؤلف “كابوس، يقظة، فزع معشش في أحلامه وصحوه، يحفر كلماته بأظافره الهشة على الصخر المخزز..”. إن الكتابة، يضيف، “تستنفد كل طاقات المبدع في العيش، تظهر له ربما فراغ العالم وخواء الأشياء من جوهرها مقابل خلود الكتابة كفعل يتحدى الموت”. عن سؤال لماذا نكتب؟ يقدم المؤلف إجابة مفتوحة وحذرة لأن السؤال يظل ممتدا وزمنا: “تبقى الكتابة عقدة رهيبة، جدار موت نحطمه بأياد غضة من زنابق، رحلة في مجاهل حياة مضمخة بالشوك والهلع”. إنه عالم كل كاتب حقيقي، لكن الضعيف يخص الكاتب المسرحي بطريق آلام أكثر امتدادا ونتوءا. فهو “مثل صوفي عليه أن يدرب جسده وكذلك روحه، أن ينضبط لنظام صارم في الحياة، تدريب على العزلة والجلوس على كرسي من ألم يطل على نافذة الوجود، ساعات مديدة حيث لاشيء إلا الصمت، السكينة وعقارب تمص دمك من رمال الجسد”.

هو وجه الكتابة القاسي والمتطلب، لكن الكتابة هي في نفس الآن حليف السعي من أجل غائية للوجود. وهنا لا يتردد بوسلهام في استحضار تجربته الخاصة في علاقة الكتابة بالحياة/الموت. “أحس أنني كتبت (رأس الحانوت) ضدا عن الموت، من أجل الحياة، كتبته في دوخة مريعة استهلكتني لأتشبث أكثر بوجودي، ولأحس بزفير وغرغرة الحياة…”.

انفتاح الذائقة والممارسة الأدبية للمؤلف يؤهله لمساءلة حدود اللقاء والانفصال بين الكتابة الروائية والكتابة المسرحية. ولأن الأمر يتعلق بمبحث غاية في التعقيد فإن الأمر يتعلق بفرضيات أولية. يرى في الروائي كاتبا يعيش في عزلته مندمجا مع الانغلاق، بينما يرتمي المسرحي في جحيم الجماعة. لدى الكاتب المسرحي، ترتبط قيمة النص بمدى قدرة الكلمة على أن تكون حاملة لأثر وكذا قابليتها لأن تصبح شفاهية. يحضر فارق آخر يتمثل في الطابع الاقتصادي للكتابة المسرحية، مما يعطي الممثل مساحة لإبداعه وللمخرج فرصة لكي يملأ ثقوب النص. الكتابة المسرحية خلقت لقارئ لا يقرأ النص بهدف المتعة ولا بهدف الاستفادة ولكن ليخلق عبره نصا آخر.

النظرية خلف المبدع لا أمامه. هي وعي يسند المشروع الفني، ومن هنا فإن الاخراج في رؤية الضعيف ليس هو الانجاز التقني لعرض مسرحي، بل يتعدى ذلك ليصبح هندسة للمفاهيم الفنية. “فكل مسرحية أنجزتها أو افكر في الاشتغال عليها هي نتيجة لتفكير في المسرح، من داخل المسرح، بالمسرح”.

في هذا الاطار يفسر رهانه على استعمال الدارجة متطلعا الى تفجير امكانياتها باعتبارها حاملة لمعرفة جسدية، لغة تعكس ذهنية المغربي وتعبر عن حالاته النفسية، تاريخه، طموحه واحلامه. يختار نصوصا لا تقدم حلولا اخراجية جاهزة، نصوصا مربكة تدفع المبدع ليراجع معرفته بالمسرح.. يراهن على ممثل يروض جسده ليتخلص من ثقل العادات المكتسبة، جسدا يعيش بين الواقع وخارج الواقع. يتوق في مقاربته لسؤال التلقي والجمهور الى مسرح/ نظام لقلب القيم والاطلالة على حرية أرحب.